مساحة اعلانية

يُونس مُجاهد من بَطْنِ الحوت إلى سفينة 13-88

مساحة اعلانية

ما أن تقف أمام دار المحامي، حتى يثيرك المكان بهيبته المعهودة، لأنه محج حماة الحقوق، أحد أركان القضاء ودولة الحق والقانون، بناية عالية علو هامة أصحاب البذلة السوداء وخدام صاحبة الجلالة. كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصرا، وسط بهو المؤسسة، تبدَّت شخوص ليس كباقيها، تبحث هنا وهناك، تتفحص بعيونها الثاقبة المكان والزمان وكل شاردة وواردة.

تجمَّع ثلة من خدام صاحبة الجلالة، منتظرين ساعة اللقاء، ساعة بدءِ الورشة التكوينية التي تنظمها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بأحد قاعات دار المحامي، بمدينة الدار البيضاء، انسل الجمع في صُعودٍ إلى الطابق الذي ستنطلق به الورشة، الواحد تلو الآخر، همهمات ومناجاة وهمسات.. بين هذا وذاك، وهذه وتلك؛ الكل يوشوش علَّ زميله يجود عليه بخبر طازج يكشف عن فضيحة أو سبق تخفق له أفئدة بعض المسؤولين.

اصطف مهنيو المتاعب، وأجلسوا أنفسهم رغم التعب بكراسي دار المحامي، وأمامهم رست سفينة لجنةٍ؛ مسؤوليتها خلق جسور بين الصحافيين والنقابة، لتيسير التواصل والمعرفة بمستجدات ما قد يراد بُالمهنة، من تشريع وقوانين وإجراءات وتدابير..

ظلت وشوشات المشاغبين في نظر زعماء القوم، تملءُ المكان إلى أن بدأ منظم الورشة، يدق مطرقة الانتباه؛ فأناخ خدام صاحبة الجلالة أبدانهم وأسماعهم وجوارحهم مُلبِّين، لعل في الأمر منفعة تغنيهم مما أناخه القدر والبلاء بهم من ذل وكآبة؛ على الأقل بالنسبة لمن ابتغى القيم المهنية والأخلاقية لمساره الصحفي والإعلامي منهج حياة.

شرع ربان سفينة النقابة الوطنية للصحافة المغربية، بعد أن أسْلَمَهُ منظم الجلسة لمهنيي المتاعب، للتدقيق والتمحيص والتقييم والتتبع والمراقبة.. فشرع نقيب الصحافيين، رئيس النقابة الحالي عبد الله البقالي، في الحديث عن التشريعات التي طالت بحُلوها ومُرها، مهنة الصحافة، منصفة حينا، ومجحفة أحايين كثيرة، وبعد أن أكمل الرجل شرحه وكلامه؛ عاد المنظم ليضبط الإيقاع مذكرا بخلاصات التدخل، وليعطي في الأخير الضوء الأخضر للأمين العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية؛ الـ “مجاهد” يونس.

رجل في الخمسينات من العمر، يراقب كل شاردة وواردة، يرمق القوم الذين يجلسون أمامه، بنظرات ثاقبة، يتفاعل مع من سبقه بالكلام، مترددا ومقاطعا ومُصوبا؛ سريع البديهة، متفحصٌ فطن، قسماته كتب عليها القدر؛ نقيب المشاغبين.

جلوسه باستقامة شديدة، وكأني برقبته تتطلع إلى أشياء ليست بالقاعة، يرقب الآلام ويستطلع الأماني، كلفَ حبُّ المهنة هذا الرجل، أن الْتَقَمَهُ الحوت وهو (مُليم)، ولولا أن انقضت مدة عقوبته للبث في بطن الحوت إلى …

جال الـ “يونس”، بكلامه، وهو الذي عرفت النقابة لزمن ليس باليسير باسمه، موضحا مسار النقابة لعقود خلت منذ تأسيسها سنة 1963، مسار “كل المبادرات التي تم اتخاذها لها فلسفة وتبعات وخلفياته” يقول مجاهد.

بدأ يونس بالتاريخ، لتشريح مرحلة الستينات، إلى مرحلة الثمانيات، وهي المرحلة التي وصفها بأنها كانت زمنا لاضطهاد النقابة، فكانت أول صفحات النضال، المعركة مع صحافة ماس (الصحافة الفرنسية الاستعمارية التي كانت تصدر بالمغرب)، وهو ما تم فعلا؛ بإلغائها بتاريخ 31 أكتوبر 1971.

في معرض سرده للمحطات النضالية للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، توقف الـ “يونس”، عند البدايات التي تمثلت في نضال النقابة من أجل حرية التعبير. لكن وحيث كانت النقابة ممثلة من قبل الناشرين فقط عند تأسيسها، تمت دراسة كيفية إدماج الصحافيين في هياكل وأجهزة النقابة؛ الأمر الذي استدعى موقفين، الأول يدعو إلى الانصهار في النقابة، والثاني يقول بتأسيس جمعية خاصة بالصحفيين.

المهم اهتدى الصحافيون حسب مجاهد، إلى الانضمام إلى النقابة حيث كانت تدار شؤونها من قبل الناشرين فقط، وهو ما مكن الصحافيين من انتزاع، تعديل الفصل الخامس للنقابة سنة 1980؛ الذي قضى بفتح باب العضوية للصحافيين. ستعرف النقابة الوطنية للصحافة المغربية، تطورا لافتا، خلال مؤتمرها الثاني، لما انتخب صحفيون عاملون بالصحف في المكتب الوطني إلى جانب المديرين المنتخبين. ومن تم ادماج أسماء صحافيين في هياكل النقابة، بعد مفاوضات عسيرة مع الناشرين.

لتحقيق المطالب، تم تشكيل فروع تتكون من الصحافيين فقط، وهو ما أحدث ازدواجية داخل النقابة، يضيف يونس مجاهد، فبدأ الامتداد بالمغرب، ومن خلاله المراهنة على أغلبية الصحافيين. الاشكاليات التي طرحت آنذاك، يقول المحاضر، هي احترام الاتفاقية الجماعية، من قبل بعض المؤسسات الناشرة، التي أثمر النضال احترامها لبنود الاتفاقية. ثم بدأ يظهر بعد ذلك، ما يسمى بصحافة الرصيف، ومن خلالها عدم احترام اخلاقيات المهنة.

كما توقف مجاهد بمحطة المناظرة الوطنية للصحافة والإعلام، التي أشرف عليها العربي المساري، بحضور 500 شخص، التي تولى فيها مجاهد مهام مقرر للجنة القانونية؛ وبالتالي أهم إنجاز في تلك الفترة بالنسبة ليونس، كانت المفاوضات التي أفضت إلى اعتماد النظام الأساسي للصحفيين المهنيين مع وزارة الداخلية والإعلام آنذاك.

كما دخلت النقابة في حوار عسير ومطول مع ادريس البصري حول لجنة اخلاقيات المهنة، التي وعد وزير الداخلية والإعلام الأسبق، بإضفاء الصبغة القانونية على أشغالها، وعلى أنها من تُسلم البطاقة المهنية، وبالتالي تكون لها صفة تقريرية؛ غير أن زيان الذي كان برلمانيا عن حزب الاتحاد الدستوري هو من رفض لأنهم كانوا يتوفرون على الأغلبية في نظر رئيس النقابة السابق.

أشار مجاهد، أن وزير الداخلية والإعلام ادريس البصري، عارض أمرا أساسيا تعلق بالاحتفاظ بمصادر الخبر. كما تحدث يونس عن دعم الصحافة والتوقيع على الاتفاقية الجماعية والصندوق الاجتماعي، وحول الصحافة السمعية البصرية التي كانت الدولة تعتبر المشتغلين بحقلها، موظفين، في حين دافعت النقابة عنهم كصحفيين مهنيين.

ذكَّر يونس مجاهد بمحطة المفاوضات التي قادتها النقابة مع حكومة ادريس جطو، المتعلقة بقانون الصحافة والنشر والمجلس الوطني للصحافة والنظام الأساسي للصحافي المهني، محطة استمرت مدة من الزمن، انتهت برفض التوقيع على مكسب المجلس الوطني الذي كان سيتم تعيينه بدون انتخاب، مقارنة بما تضمنه مقتضيات القانون الحالي؛ لكن التجاوزات التي تضمنها قانون الصحافة والنشر آنذاك جعل النقابة ترفض القوانين كلها وبالتالي يطوى الملف.

يستمر الوضع على ما هو عليه، بحكومة عباس الفاسي، لتعصف رياح ما سمي بـ “الربيع العربي”؛ إذ ساهمت النقابة، يفيد يونس، بمجموعة من المقترحات التي أخذت بعين الاعتبار بدستور فاتح يوليوز 2011.

فتحت النقابة مسار مفاوضاتها مع وزير الاتصال بالحكومة السابقة، مصطفى الخلفي، مذكرة إياه بضرورة تبني المقاربة التشاركية في اقتراح القوانين الثلاث، حيث تم تشكيل لجنة علمية تضم خيرة الشخصيات المغربية، ترأسها السيد العربي المساري رحمه الله، وكانت النقابة كذلك ممثلة، في شخص مجاهد.

دخلت اللجنة العلمية، حسب المحاضر، في مفاوضات ومشاورات تعلقت بقانون الصحافي المهني، وقانون الصحافة والنشر، وقانون المجلس الوطني للصحافة، فوصلت إلى خلاصات؛ رغم أنه حصل تغيير بالصياغة القانونية، مع إجماع مكونات اللجنة العلمية وتوقيع أعضائها على ضرورة اطلاعهم  على فحوى الصياغة القانونية.

شدَّد مجاهد على الازدواجية التي تطبع المقتضيات التي تنص على تشكيل المجلس الوطني للصحافة، حيث أن النقابة الأكثر تمثيلية هي من تشرف على الانتخابات والتهييء.. وفي نفس الوقت لا يُعترف بها، عبر فرض تنظيم الانتخابات؛ كما نفى مجاهد وجود أية مسطرة على الصعيد الدولي تقر بأن التمثيلية هي التي تفرز الحكماء.

أوضح يونس مجاهد بأن النقابة سبق لها تأسيس الهيئة المستقلة لأخلاقيات المهنة وحرية التعبير، التي تتكون من 8 ممثلين عن النقابة، و5 ممثلين عن الناشرين، ومنظمات المجتمع المدني، وشخصيات مدنية مستقلة، يرأسها السيد المشيشي العلمي.

توجهنا الذي ناقشناه ولا زلنا نناقشه أننا لن نهمل الهيئة المستقلة، لأنها هي التي أنجزت ميثاق الأخلاقيات. كما أكد مجاهد بأن النقابة لن تنجز مجلس وطني للنقابة عبر اقحام أعضاء النقابة، مضيفاً “لنا عقلية منفتحة”.

رست سفينة يونس مجاهد بميناء 13-88؛ قانون الصحافة والنشر الحالي، حينما تحدث عن الملاءمة ومختلف الخلافات التي طغت داخل اللجنة العلمية، حول المستثمر ومدير النشر، والمقاولة الصحفية، كما استعرض بعض المشاكل التي تعرفها الصحافة الالكترونية من قبيل الجودة والمهنية، والتزامات المقاولة اتجاه الصحافيين المشتغلين داخلها، كما اكتوى بلظاها بعض الصحافيين المهنيين ببعض المقاولات الورقية مؤخرا.

البيضاوي

شارك المقال شارك غرد إرسال
مساحة اعلانية
مساحة اعلانية