كأنها ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة؛ كأني بها الجدة “أم الغيث” وقد تحلق حولها أحفادها في ليلة مقمرة، لتروي ظمأمهم من قصص الغراب والهدهد والذئب والحمل وو، كأني بالحفيدات والأحفاد يستمعون في صمت وإمعان كأن على رؤوسهم الطير، حتى سافرت بهم الجدة إلى سنوات أو لنقل عقودا من الزمن بالنسبة لبعضهم، سنوات المغرب الجميل، إنها ليلة تقديم مهرجان بذور وجسور الذي تنظمه جمعية أم الغيث.

غيث يستشرف مستقبل فلذات الأكباد، أطفال اليوم رجال ونساء الغد، لكن يوم الغد يبنى من اليوم، ذلك عنوان مبادرات أم الغيث القيمة الرصينة، التي تستثمر في صناعة الإنسان، وأي إنسان، منذ سنوات طفولته، كأنها الورقة البيضاء التي تنقش فيها ما تشاء من قيم.
مساء أمس الثلاثاء 20 ماي الجاري، ورغم الحضور القليل لوسائل الإعلام المواكبة لهذا الحدث القيم، المبشر بتنظيم مهرجان سيدي مومن للطفولة ما قبل التمدرس “بذور وجسور”، من لدن جمعية “أم الغيث” بشراكة مع وكالة الهندسة الثقافية، فإن الحدث بصدق، يمكن اعتباره لبنة من لبنات بناء شخصية الغد التي يراهن عليها المغرب اليوم، لتنزيل أوراشه ومخططاته الاستراتيجية مستقبلا في أي ميدان وأي مجال.

سيدة اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، رصينة؛ مثقفة؛ قليلة الكلام؛ لكنها إن تحدثت لا تقول إلا صدقا لتحدث التغيير نحو الأفضل، ذات نظر ثاقب لا تشيح بمقلتيها عنك، وهي تحدثك في احترام جميل لآداب الحوار، إنها السيدة أمل القادري برادة، رئيسة جمعية أم الغيث، التي بشرت الحضور بأن مهرجان “بذور وجسور”، سيكون مفتوحا في وجه العموم.
استرسلت في معرض تقديمها لمشروعها الذي لا يقاوم، متحدثة عن الجمعية وتاريخها وما حققته وتحققه في صمت وعن ورش صناعة الإنسان الذي افتتحه خلال الندوة، ورش الجدة أم الغيث، كي تضع قاطرة قادة المستقبل في المغرب على سكتها الصحيحة.

عن يمين القادري، انبرى السيد فوزي الصقلي متحدثا عن المبادرة فسافر بالحضور إلى عوالم القيم الجميلة التي افتقدناها في تربية النشء المغربي وعن مغزى المبادرة وأبعاها من زاوية الباحث الانتربولوجي، فتوالت مداخلات المنظمين وأطر الجمعية تباعا، تشرح وتوضح مبادرات الجمعية لصناعة قادة المستقبل، التي لا يخفى تأثرها بالمبادرة
جرى بعدها سرد بعض مقتطفات الحكاية وأي حكاية، إنها حكاية “الهدهد واثنا عشر طائرا”، وهو عمل فني تربوي موجه بالأساس لأطفال التعليم الأولي وأسرهم، يحتفي بقيم السلام والانفتاح والتسامح.

حضر فعاليات الندوة إضافة إلى السيدة أمل القادري برادة، رئيسة جمعية أم الغيث، وأطر الجمعية أصحاب الكعب العالي في التربية والتعليم الأولي، والسادة محمد برادة رئيس جمعية أم كلثوم بسيدي مومن، والباحث الأنثربولوجي فوزي الصقلي وادريس الصقلي وليلى السلاوي والناشرة ياسمين الكواكبي، وفنانين مغاربة ومسؤولي بعض المؤسسات العمومية كمؤسسة محمد الخامس للتضامن، وإعلاميين..

توالت التدخلات المؤثرة والمتأثرة عبر لغة موليير راقية، يقاربون الموضوع كل من زاويته ووجهة نظره، فأجمعوا على أهمية المبادرة مسلطين الضوء على الأبعاد الفنية والتربوية لهذا العمل المتميز، الذي يمزج بين الموسيقى والشعر والتربية الروحية في قالب بصري معاصر ومضيء.
العمل الرائد، مستوحى من رائعة التصوف الفارسي “منطق الطير” للشاعر فريد الدين العطار، الذي يقدم في صيغة درامية موسيقية أخرجتها ليلى الصقلي، بمشاركة نخبة من الفنانين والمبدعين، من ضمنهم أمل عيوش، إسماعيل العلوي، صوفيا هادي وعبد القادر الغيث، إلى جانب فاعلين ثقافيين بارزين كـ دريس الصقلي، ليلى السلاوي، وحياة ارغوني، مع مساهمة فعالة لمؤطرات من جمعية “أم الغيث”.

العمل يزاحم فيه الكبار صغار السن، لأنه يحمل مضامين روحية ورمزية ثرية، تجعل منه تجربة فنية قادرة على مخاطبة مختلف الأعمار.
للتذكير، فجمعية أم الغيث التي تأسست سنة 2013، لها باع طويل في العمل التربوي والخيري داخل حي سيدي مومن الهامشي، حيث تشتغل منذ سنوات على تجويد التعليم الأولي في المناطق الحضرية المهمشة، من خلال برامج مسرحية وتربوية وفنية مستمرة على مدار السنة.