انعقدت صباح اليوم الاثنين 7 يوليوز بولاية جهة الدار البيضاء سطات، الدورة العادية لمجلس الجهة، وسط جدول أعمال حافل بالمشاريع المهيكلة الكبرى والشراكات المتعددة الأطراف، التي توحي بجهد تنموي ضخم من حيث الحجم المالي والتقني، لكنه لا يخلو من انتقائية مجالية صارخة وإعادة إنتاج للتفاوتات بين الجماعات داخل نفس الجهة، ما يطرح علامات استفهام مهنية حول منطق “العدالة المجالية” التي يفترض أن تكون رافعة أساسية في النموذج التنموي الجديد.
مشاريع بملايين الدراهم، لكن لمن؟، حيث يشمل جدول أعمال الدورة إحداث شركات وتنزيل اتفاقيات كبرى تهم مشاريع ضخمة: الحظيرة اللوجيستيكية والصناعية بزناتة، الخط فائق السرعة مراكش-قنيطرة، مشروع تحلية المياه، مركز طمر وتثمين النفايات، ومنصة التسويق الفلاحي ببرشيد، إلى جانب مشاريع تخص البنية التحتية والخدمات، كمشروع تصريف مياه الأمطار وتوسعة الإدارة الجهوية.
غير أن التدقيق في خريطة التوزيع الجغرافي لهذه المشاريع يظهر ما يشبه إعادة تكريس “نخبوية تنموية” تركز في محيط الدار البيضاء الكبرى وبرشيد وحد السوالم والمحمدية ويدي بنور والجديدة، وتكاد تقصي الجماعات القروية أو الهامشية التي تشكل أغلب تراب الجهة، بل وتضم مؤشرات هشاشة متعددة الأبعاد: بنية تحتية متآكلة، ضعف التغطية الصحية والتعليمية، وهشاشة مائية واجتماعية متفاقمة.

ينم منطق التمويل والتدخل الترابي الذي ظهر في الدورة عن رؤية مركزية حتى داخل الجهة نفسها، حيث يتم توجيه الموارد الضخمة نحو المناطق الحضرية أو ذات الجاذبية الاستثمارية، بينما تترك الجماعات البعيدة أو القروية أو ذات الكثافة السكانية المحدودة، في حالة انتظار مستمرة، رغم أن بعضها يعاني من أوضاع كارثية (كجماعات من إقليم سطات، وولاد سعيد، أو إقليم سيدي بنور..).
ويغيب عن النقاش العمومي الذي يفترض أن ترافقه هذه الدورة، أي تقييم نقدي من داخل المجلس نفسه لمدى تحقيق العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، وكأن التنمية لا تعني الجميع، وكأن الجماعات القروية لا تنتج ولا تستهلك ولا تصوت.
وعلى هامش جدول أعمال للدورة العادية لمجلس الجهة يمكن ملاحظة ما يلي:
1. تركز شبه مطلق للتمويل والمشاريع في الدار البيضاء الكبرى والمحاور الاقتصادية، وهو ما يقوي منطق “الجهة العاصمة” بدل منطق “الجهة المتوازنة”؛ 2. تهميش مستمر للجماعات النائية المهمشة التي لاصوت لها، والبوادي رغم ما تتيحه من إمكانيات تنموية وبيئية وسياحية مستدامة؛
3. غياب الرؤية التشاركية والتواصلية مع المجتمع المدني والساكنة المحلية حول أولوية المشاريع وطبيعتها؛ 4. تفويضات مالية كبيرة دون تقييم للنتائج المرحلية لبرنامج التنمية الجهوية 2022–2027، والذي لم تقدم بشأنه مؤشرات مضبوطة أو تقارير تقييمية علنية؛
ما سبق ذكره يدفعنا إلى التساؤل، هل يحتاج المجلس إلى مراجعة بوصلته التنموية؟ إن النموذج التنموي الجديد يدعو صراحة إلى “تنمية دامجة ومتوازنة” و”تحقيق العدالة المجالية” و”الاعتماد على الإمكانيات الترابية المحلية”.
لكن الواقع يشي بانحراف في التطبيق، حيث يتم ضخ موارد ضخمة في محاور محدودة، بينما تبقى الأغلبية الساحقة من ساكنة الجهة، وخصوصا في بعض الجماعات القروية والحضرية، خارج الرؤية والخدمة والقرار.
لذا، لزاما ومن أجل الاحاطة ومحاصرة هذا الظلم المجالي الجهوي، يجب على المجلس تخصيص حيز زمني قار داخل الدورات لتقييم السياسات العمومية الترابية وليس فقط المصادقة التقنية على الاتفاقيات. ناهيك عن تفعيل آليات الشفافية والتواصل العمومي لإشراك الساكنة ومواكبة الإعلام المحلي والمجتمع المدني.
ضرورة اعتماد خريطة للفوارق المجالية داخل الجهة لتكون مرجعا في توجيه الاستثمارات. وإشراك الجماعات القروية بفعالية في مشاريع التنمية، لا باعتبارها مناطق عبور، بل شريكا تنمويا حقيقيا.
في زمن تزايد التفاوتات المجالية، لا يمكن لمجلس جهة الدار البيضاء-سطات أن يستمر في رسم معالم التنمية بنفس أدوات الإقصاء الناعم، فالهامش لم يعد صامتا، والصحافة الجهوية مطالبة بلعب دورها في التنبيه والتقييم، لا مجرد التغطية.
ذلك أن التنمية التي لا تشمل الجميع، ليست تنمية؛ بل إنتاج جديد للتهميش.