مساحة اعلانية

العقوبات البديلة تستبدل برودة الأسوار الاسمنتية بالسوار الالكتروني (الجزء الثالث)

مساحة اعلانية

لم يعد السجن، بما يحمله من أسوار وجدران، الحل الأوحد لكل انحراف أو خطأ، فاليوم يفتح القانون 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة بابا جديدا للعدالة، يجعل من العقوبة وسيلة للإصلاح لا مجرد أداة للزجر، ويمنح للمحكوم فرصة ثانية للحياة داخل المجتمع بكرامة ومسؤولية.

ظل السجن لعقود العقوبة الغالبة حتى في القضايا البسيطة، مما أدى إلى تضخم أعداد السجناء واكتظاظ المؤسسات السجنية دون جدوى إصلاحية واضحة. فجاء القانون 43.22 ليمنح القضاء بدائل أكثر إنسانية وفعالية، مثل:
• العمل لأجل المنفعة العامة؛
• المراقبة الإلكترونية؛
• تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير علاجية وتأهيلية؛
• الغرامة اليومية.
هذه التدابير لا تلغي الردع، لكنها تفتح أفقا جديدا للمصالحة والإدماج.

يجسد القانون فلسفة عدالة تجعل الإنسان محور المعادلة. فهو لا يكتفي بمعاقبة المخالف، بل يحافظ على روابطه الأسرية والمهنية، ويلزمه بواجبات تزرع داخله حسّ المسؤولية، في احترام لكرامته وخدمة لمصلحة المجتمع.

من أبرز أهداف القانون التخفيف من الاكتظاظ داخل السجون، عبر التمييز بين الجرائم الخطيرة التي تستوجب الحرمان من الحرية، والمخالفات البسيطة التي يمكن معالجتها بوسائل بديلة أكثر نجاعة.

يؤكد الأستاذ ميلود ضومر، نائب رئيس المحكمة الزجرية، في حوار حصري مع جريدة البيضاوي، أن هذا الورش القضائي الجديد يجمع بين النجاعة والعدالة الإنسانية، فهو يضمن كرامة المحكوم عليهم، ويعزز إدماجهم الفعلي دون المساس بحقوق الضحايا. لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات لوجستية وتقنية، خاصة ما يتعلق بتفعيل المراقبة الإلكترونية.

تكرّس العقوبات البديلة مفهوم المسؤولية المشتركة، إذ يعيد المحكوم جزءا من الدين للمجتمع عبر الخدمة العمومية، ويستعيد بالمقابل ثقة الآخرين فيه، مما يحول العقوبة إلى جسر لإعادة الاندماج.

نجاح القانون يظل رهينا بتنسيق الجهود بين القضاء والنيابة العامة وإدارة السجون والمجتمع المدني، مع تغيير الذهنيات نحو تقبل أن العقوبة قد تكون إصلاحا بقدر ما هي ردع.

إن القانون 43.22 ليس مجرد نص جديد، بل إعلان عن ثورة هادئة في فلسفة العقاب ببلادنا؛ ثورة تقول، إن الإنسان قد يخطئ، وإن العقوبة يمكن أن تكون بداية جديدة.
إنها عدالة تزرع الأمل وتفتح أبواب الاندماج، وتعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع على قاعدة الثقة والتصحيح، لا على قاعدة الانتقام والإقصاء.

شارك المقال شارك غرد إرسال
مساحة اعلانية
مساحة اعلانية