لم يكن اسم محمد وهبي متداولا كثيرا في عناوين الصحف أو في نقاشات الجماهير، فقد اعتاد العمل بهدوء داخل مراكز التكوين وأكاديميات الشباب، حيث تصنع المواهب بعيدا عن صخب المدرجات.
غير أن هذا المدرب المغربي وجد نفسه فجأة تحت الأضواء، بعدما قاد المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة إلى إنجاز تاريخي بالتتويج بكأس العالم للشباب سنة 2025 في الشيلي، وهو لقب غير مسبوق في تاريخ الكرة المغربية.
ذلك التتويج لم يكن مجرد لقب عابر، بل تحول إلى نقطة انعطاف في مسار الرجل، فبعد أشهر قليلة فقط، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تعيينه مدربا للمنتخب الوطني الأول خلفا للمدرب وليد الركراكي، ليصبح فجأة على رأس الجهاز الفني لأسود الأطلس الذين صنعوا التاريخ ببلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر.
قصة وهبي مختلفة عن معظم المدربين، فهو لم يمر عبر تجربة الاحتراف كلاعب، بل دخل عالم التدريب مبكرا مدفوعا بشغف كبير بكرة القدم، فقد ولد سنة 1976 في بلدية سخاربيك بضواحي بروكسل، وبدأ أولى خطواته التدريبية في سن 21 عاما مع نادي مكابي بروكسل، حيث أشرف على فرق الفئات السنية.
لم يطل الأمر حتى لفت الأنظار إلى عمله، ليجد نفسه سنة 2003 داخل واحدة من أهم مدارس التكوين في أوروبا أكاديمية نادي أندرلخت البلجيكي، هناك قضى أكثر من عقدين من الزمن يصقل المواهب، متنقلا بين مختلف الفئات العمرية، من تحت 9 سنوات إلى تحت 17 عاما.
في أندرلخت، لم يكن وهبي مجرد مدرب تقني، بل مهندسا لمسارات لاعبين أصبحوا لاحقا نجوما في كرة القدم الأوروبية، ومن بين الأسماء التي مرت عبر يديه يوري تيليمانس وجيريمي دوكو وعدنان يانوزاي وشارل موسوندا ودودي لوكيباكيو، إضافة إلى الدولي المغربي بلال الخنوس الذي اختار لاحقا تمثيل المغرب بدل بلجيكا.
نجاحه في تكوين اللاعبين دفع المدرب بيسنيك هاسي إلى ضمه سنة 2015 إلى الطاقم الفني للفريق الأول لأندرلخت. ورغم أن تلك التجربة لم تتوج بالألقاب، إلا أنها منحت وهبي خبرة إضافية في التعامل مع كرة القدم الاحترافية.
بعد مغادرته أندرلخت سنة 2021، التفت إليه رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، الذي رأى في مساره نموذجا لمدرب قادر على تطوير المواهب المغربية، فتم تعيينه سنة 2022 مدربا لمنتخب المغرب لأقل من 20 سنة.
وكانت الثقة في محلها؛ ففي مونديال الشباب 2025 أطاح منتخب وهبي بكبار المدارس الكروية، متغلبا على منتخب إسبانيا تحت 20 سنة ومنتخب البرازيل تحت 20 سنة في دور المجموعات، قبل إقصاء منتخب فرنسا تحت 20 سنة في نصف النهائي، ثم الفوز على منتخب الأرجنتين تحت 20 سنة في المباراة النهائية، ليمنح المغرب أول لقب عالمي في هذه الفئة.
يعتمد وهبي أسلوب لعب يقوم على المبادرة والتحكم في الكرة والضغط العالي، مع بناء سريع للهجمات، وغالبا ما يميل إلى التناوب بين خطتي 3-4-3 و4-3-3، مع تركيز كبير على الجودة التقنية والسرعة في التنفيذ، وهي فلسفة اكتسبها من سنوات عمله في مدارس التكوين الأوروبية.
يدرك وهبي أن انتقاله من تدريب الفئات السنية إلى قيادة المنتخب الأول ليس مجرد ترقية، بل مسؤولية وطنية ثقيلة. ففي حفل تقديمه قال: “أنا فخور جدا بهذه الثقة، ومدرك لحجم التطلعات سأعمل بجدية وتواضع وعزيمة، وبالكثير من الوطنية لمواصلة تطوير هذه المجموعة”.
وسيكون ظهوره الأول مع أسود الأطلس في مباراتين وديتين أمام منتخب الإكوادور لكرة القدم ومنتخب باراغواي لكرة القدم يومي 27 و31 مارس في مدريد ولانس، في بداية طريق طويل يقود نحو كأس العالم 2026.
من مدرب شاب يعمل في الظل داخل أكاديمية أوروبية، إلى قائد لمنتخب وطني يحمل طموحات أمة كاملة؛ هكذا تكتب قصة محمد وهبي، رجل اختار طريق التكوين والصبر، فقادته سنوات العمل الصامت إلى أكبر منصة في كرة القدم المغربية.