جرى اليوم الخميس بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد وعلى مدى يومي 9 و10 أبريل الجاري إطلاق حفل تقديم “دليل أكسفورد للاقتصاد المغربي”، وذلك بمقره داخل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بالرباط، في مبادرة علمية تروم تقديم مرجع شامل لفهم التحولات الاقتصادية التي شهدها المغرب على مدى أكثر من ستة عقود.
ويعد هذا المؤلف الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، تحت إشراف الخبيرين كريم العيناوي وأركبي أوكوباي، عملا أكاديميا ضخما يضم 34 فصلا بمساهمة أكثر من 53 باحثا، ويقدم تحليلا هيكليا لتطور الاقتصاد المغربي خلال الفترة الممتدة من 1960 إلى 2025.
يكشف الدليل عن مسار اقتصادي عرف تحولات بارزة، حيث سجل المغرب خلال الفترة ما بين 1971 و2024 معدل نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي بلغ 4.13 في المائة، مقابل 2.33 في المائة كنمو سنوي لنصيب الفرد.
كما شهدت المؤشرات الاجتماعية تحسنا ملحوظا، أبرزها ارتفاع متوسط العمر المتوقع من 47 سنة سنة 1960 إلى 73 سنة في أفق 2025، مع تقلص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.
غير أن المؤلف يؤكد أن فهم التجربة المغربية لا يقتصر على الأرقام الإجمالية، بل يتطلب قراءة أعمق تأخذ بعين الاعتبار ديناميات التحول الهيكلي، وتطور الإنتاجية، وتنوع النسيج الاقتصادي، إلى جانب العوامل المؤسسية والتكنولوجية المؤطرة للنشاط الاقتصادي.
يسلط الدليل الضوء على مرحلة ما بعد سنة 2000، حيث عزز المغرب انفتاحه الاقتصادي، مستفيدا من اتفاقيات استراتيجية مع شركاء دوليين، خاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلى جانب توسيع حضوره الاقتصادي في القارة الإفريقية.
وقد ساهم هذا التوجه في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودمج الاقتصاد الوطني ضمن سلاسل القيمة العالمية، لا سيما في صناعات السيارات والطيران.
ويرى المؤلف أن هذا التحول استند إلى مجموعة من العوامل، من بينها استقرار الإطار الماكرو-اقتصادي، والاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية، وتحسن مناخ الأعمال، إضافة إلى بروز مؤسسات تنظيمية مستقلة وتعزيز قدرة الدولة على تنسيق السياسات العمومية، ما مكن المملكة من التكيف مع أزمات متعددة مثل الأزمة المالية لسنة 2008، وجائحة كوفيد-19، والتقلبات الدولية.
ورغم هذه المكتسبات، يشير الدليل إلى أن مسار التحول الاقتصادي لا يزال غير مكتمل، حيث تبقى الإنتاجية الإجمالية دون المستوى المطلوب، كما أن آثار التنمية لا تنتشر بشكل كاف داخل النسيج الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بتحفيز الاستثمار الخاص، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص الشغل اللائق.
وفي هذا السياق، يبرز المؤلف أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الاقتصاد المغربي اليوم يتمثل في الارتقاء في سلاسل الإنتاج، وتعزيز القدرات التكنولوجية، والاستثمار في الرأسمال البشري والبحث العلمي، بما يضمن توسيع نطاق التحول الهيكلي وتحقيق نمو أكثر شمولا.
يتناول الدليل مجموعة من القضايا المركزية التي تشكل صلب النقاش الاقتصادي بالمغرب، من بينها التصنيع والسياسات الصناعية، وسوق الشغل، والقطاع غير المهيكل، والفوارق الاجتماعية، والتعليم والصحة، والانتقال الطاقي، والتنمية الجهوية.
كما يؤكد أن مسار التنمية لا يخضع لوصفة جاهزة، بل هو عملية تراكمية معقدة تتطلب التكيف المستمر، وتقييم السياسات، والقدرة على التصحيح، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والمؤسساتية لكل بلد.
ويمثل دليل أكسفورد للاقتصاد المغربي” إضافة نوعية للمكتبة الاقتصادية، موجها للباحثين وصناع القرار والفاعلين الاقتصاديين والطلبة، حيث يوفر قاعدة تحليلية دقيقة ومبنية على الأدلة لفهم تعقيدات الاقتصاد الوطني.
كما يتماشى هذا الإصدار مع رسالة مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد في دعم النقاش العمومي وصياغة السياسات، إذ تم إتاحة الدليل بشكل مجاني عبر المنصات الرقمية للمركز ولمطبعة جامعة أكسفورد، في خطوة تروم تعميم المعرفة وتعزيز النقاش العلمي الرصين حول مستقبل الاقتصاد المغربي.