ألقى الأستاذ عبد الحنين التوزاني المدير العام للمعهد العالي للقضاء، اليوم الخميس بالمقر المؤقت للمعهد بتكنوبوليس بالرباط، وعن بعد، كلمة افتتاحية بمناسبة الدورة التكوينية حول: “المستجدات التشريعية المنظمة للشيك في مدونة التجارة”؛ هذا نصها:
“بـسم الله الرحـمان الرحـيم
السيد عبد الرحيم حنين رئيس قطب القضايا الجنائية الخاصة والحريات العامة برئاسة النيابة العامة
السيد رئيس قطب التكوين المستمر والتكوين في الإدارة القضائية بالمعهد العالي للقضاء
السيد منصف اللمثوني رئيس وحدة قضايا الجرائم المالية برئاسة النيابة العامة
حضرات السيدات والسادة وكلاء الملك المحترمين،
حضرات السيدات والسادة الأفاضل،
يطيب لي، ونحن نجتمع اليوم في رحاب المعهد العالي للقضاء، أن أفتتح أشغال هذا اليوم التكويني المخصص لمقاربة موضوع يكتسي راهنية قصوى وبالغ الأهمية في المشهد القانوني والقضائي المغربي: “المستجدات التشريعية المنظمة للشيك في مدونة التجارة وآليات تنزيلها”، تحت شعار يحمل دلالات عميقة: “الشيك بين الزجر والتسوية: نحو تنزيل مسؤول ومتوازن”.
إن اختيار هذا الموضوع ليس ترفاً فكرياً، بل هو استجابة لضرورة وطنية ملحة تفرضها التحولات التشريعية الكبرى التي تروم إعادة ضبط موازين العدالة بين صرامة الردع الزجري ومرونة آليات التسوية، غايتنا في ذلك تعزيز منسوب الثقة في المعاملات المالية وتحصين الأمن القانوني والقضائي للمملكة.
أولاً: الالتزام الاستراتيجي وتجويد الأداء.
يأتي تنظيم هذا اللقاء كحلقة أساسية في سلسلة تنزيل التوجهات الكبرى لـ المخطط الاستراتيجي للمعهد العالي للقضاء (2026-2030). نحن نؤمن بأن الارتقاء بجودة التكوين المستمر ليس مجرد هدف إجرائي، بل هو أداة فاعلة لمواكبة الإصلاحات التشريعية وضمان تنزيلها العملي بأسلوب ينسجم مع الاختصاصات المرجعية للمعهد.
إن رهاناتنا اليوم تتجاوز القراءة السطحية للنصوص؛ نحن نسعى لتمكين القضاة من أدوات الفهم العميق واستيعاب الفلسفة الكامنة وراء المقتضيات الجديدة. فالهدف الأسمى هو توحيد الرؤية في التطبيق القضائي، وتكريس نموذج “القاضي المتمكن” القادر على فك تعقيدات التحولات المعاصرة بكل اقتدار.
ثانياً: العرفان المؤسساتي والدعم الموصول.
ولا يفوتني في هذا المقام، أن أعرب عن عميق الامتنان وخالص الشكر للسيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، على دعمه المتواصل ومواكبته الحثيثة لبرامج التكوين المستمر بالمعهد، وهي الرعاية التي تعكس إيماناً مشتركاً بضرورة الاستثمار في الرأس المالي البشري القضائي.
كما نثمن عالياً حضور السيد عبد الرحيم حنين رئيس قطب القضايا الجنائية الخاصة والحريات العامة برئاسة النيابة العامة معنا اليوم في افتتاح هذا اليوم الدراسي، وهو حضور يجسد الانخراط المسؤول لمؤسسة رئاسة النيابة العامة في إنجاح هذه المحطات العلمية. والشكر موصول لكافة المتدخلين، وللسيدات والسادة القضاة، سواء الحاضرين معنا في القاعة أو الذين يواكبون أشغالنا عن بعد، والذين يبرهنون بشغفهم المعرفي على وعي عالٍ بمسؤولية التحديث القانوني.
ثالثاً: دور النيابة العامة وضمانات المحاكمة العادلة.
إلى السيدات والسادة وكلاء الملك وقضاة النيابة العامة، إن دوركم في هذا السياق هو حجر الزاوية؛ فموضوع الشيك في بعده الزجري يضعكم أمام إشكالات دقيقة تستوجب مقاربة تتسم بـالمسؤولية والتوازن:
– أنتم حماة النظام العام الاقتصادي.
– أنتم الساهرون على تفعيل آليات التسوية بما يحقق الغاية التشريعية المثلى.
وعبر عملكم، تتجسد قيم المحاكمة العادلة التي توازن بين حق الدائن في استخلاص دينه، وحماية الحقوق والحريات وفق منظور قانوني متطور.
رابعاً: المقاربة التشاركية والخبرة العلمية
اعتمد المعهد في هذا المسار مقاربة توافقية، تنفتح على مختلف الفاعلين المؤسساتيين، إيماناً منا بأن تجويد الممارسة القضائية يمر حتماً عبر تبادل الخبرات وتلاقح الرؤى في فضاءات علمية مشتركة.
وفي هذا الصدد، أتوجه ببالغ الشكر والتقدير للسيد المؤطر، الأستاذ منصف اللمثوني، رئيس وحدة قضايا الجرائم المالية برئاسة النيابة العامة، الذي يمثل بمرسه الطويل وخبرته المتراكمة في ملف الشيك قيمة مضافة حقيقية لهذا النقاش، ستسهم بلا شك في تعميق الفهم وتدقيق الآليات. كما لا يفوتني التنويه بجهود كافة أطر المعهد العالي للقضاء في إنجاح هذا المحفل العلمي.
حضرات السيدات والسادة،
إننا نراهن على ذكائكم الجماعي وما سيسفر عنه هذا النقاش من خلاصات تسهم في توحيد الفهم وتجويد التطبيق القضائي.
وفقكم الله لما فيه خير منظومتنا القضائية، وسدد خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.”