في المشهد الإعلامي الدولي، تفترض في الوكالات الكبرى وعلى رأسها وكالة فرانس برس الفرنسية، معايير الدقة والتوازن والحياد، غير أن المقارنة الدقيقة بين خبر تعليق هندوراس اعترافها بما يسمى +الجمهورية الصحراوية+ وبين الريبورتاج المنجز من مخيمات تندوف، تكشف فجوة واضحة بين منطق الخبر ومنطق السرد الموجه، بل وتطرح أسئلة عميقة حول الخلفيات التحريرية والاختيارات اللغوية.
الخبر الأول يندرج ضمن دينامية دبلوماسية موثقة، تعكس تحولات ملموسة في مواقف دولية، حيث يتزايد عدد الدول التي تعيد النظر في اعترافها بالكيان الانفصالي، هذه الواقعة مرتبطة بقرارات سيادية لدول ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وتستند إلى مرجعيات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي.
في المقابل، يختار الريبورتاج الثاني ل(أ ف ب) زاوية ضيقة عبر أصوات منتقاة من داخل مخيمات تندوف، في بيئة مغلقة سياسيا وإعلاميا، دون أي تمثيل لتعددية الرأي أو استحضار التحولات الدولية.
هنا يتحول الواقع إلى مشهد أحادي، تصاغ فيه القناعة الجماعية بشكل يوحي بالإجماع، بينما تغيب كل المؤشرات التي تعاكس هذه الصورة؛ كأني بكانب المقال ينتمي إلى دوزيام فرنسيس.
يعتمد النص الثاني على مفردات مشحونة +(“الاحتلال”، “اللاجئون”، “النضال”، “تصفية استعمار”)؛ مصطلحات فرنسية ليست بريئة بالمرة؛ بل تنتمي إلى قاموس سياسي محدد، يعكس سردية طرف واحد فقط.
في المقابل، يغيب توصيف قانوني دقيق لوضعية النزاع المفتعل كما تعالجه الأمم المتحدة، التي تدعو إلى “حل سياسي واقعي، عملي ودائم”، والذي للتذكير، لن تجده إلا في مخطط الحكم الذاتي، والذي جرى الفصل فيه من خلال القرار 27/97 ؛ الذي تبناه مجلس الأمن.
كما أن استعمال توصيف “إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي”، مرارا وتكرارا في توصيف الجندي الإعلامي الفرنسي الرسمي، يؤكد بأن الثقة في فرنسا تضل منعدمة مايزيد الطرح التقارب الفرنسي الجزائري الأخير.
ذات التوصيف الأخير، يتم توظيفه خارج سياقه، دون الإشارة إلى التطورات التي جعلت مبادرة الحكم الذاتي المغربية تحظى بدعم متزايد دوليا.
الريبورتاج الفرنسي يركز على “لاجئين” دون مساءلة وضعيتهم القانونية أو السياسية، ولا يطرح أسئلة حول دور الجزائر كطرف أساسي في النزاع، رغم ذكرها بشكل عابر، مع العلم أن بعضهم مغاربة محتجزون ومختطفون هناك، والبعض جزائريون والبعض من جنسيات تباع وتشترى، تنمي للعهود البائدة.
كما يتجاهل الريبورتاج كليا تمثيلية المنتخبين الصحراويين داخل الجماعات الترابية والمؤسسات المغربية بما فيها السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو وتجاهل مشاريع التنمية الكبرى في الأقاليم المغربية الجنوبية.
في المقابل، يتم تضخيم شهادات فردية وتحويلها إلى حقيقة كلية، وهو أسلوب معروف في بناء السرديات الدعائية، حيث يستبدل التحليل البنيوي بالمشاهد الإنسانية المؤثرة.
بينما يعكس الخبر الأول اتجاها دوليا متصاعدا نحو دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يأتي الريبورتاج ليجمد الزمن داخل المخيمات، وكأن خمسين سنة من التحولات الجيوسياسية لم تقع، هذه المفارقة تطرح سؤالا مركزيا هل نحن أمام تغطية إعلامية أم إعادة إنتاج لرؤية تاريخية متجاوزة؟
لا يمكن قراءة هذا التباين بمعزل عن الخلفية التاريخية ل”أ ف ب” الفرنسية، التي تشكلت في سياق نفوذ دولي كان ينظر إلى شمال إفريقيا بعيون استعمارية، ورغم التحولات التي شهدها العالم، لا تزال بعض التمثلات القديمة تتسلل إلى الخطاب الإعلامي، سواء بشكل واع أو غير واع.
المقارنة بين النصين لا تكشف فقط عن اختلاف في الشكل والجنس الصحفي (خبر مقابل ريبورتاج)، بل تبرز خللا أعمق في بناء المعنى، من نقل الوقائع إلى إعادة تشكيلها وفق زاوية محددة، وبينما يتحرك الواقع الدولي بسرعة نحو مقاربات براغماتية للحل، يبدو أن بعض الخطابات الإعلامية ما زالت أسيرة سرديات جامدة، غير أن الرهان اليوم ليس فقط على تصحيح المعطى، بل على إنتاج خطاب إعلامي مهني قادر على ملامسة الحقيقة في تعقيدها، بعيدا عن الانتقائية والاختزال الاستعماري السمج.