في مسار الدبلوماسية، لا تقاس النجاحات فقط بعدد الاتفاقيات أو اللقاءات الرسمية، بل أيضا بقدرة الدبلوماسي على صناعة الجسور الإنسانية والثقافية بين الشعوب، وعلى منح العلاقات الثنائية روحا جديدة تنبع من الحكمة والخبرة والرؤية الهادئة.

ومن هذا المنطلق، تبرز شخصية سعادة السفيرة مودة عمر حاج التوم كواحدة من الوجوه الدبلوماسية النسائية التي استطاعت أن تترك بصمتها بثقة واقتدار داخل المملكة المغربية؛ وقبلها في الصين وكندا وبلغاريا ومصر.

في حديث حصري خصت به “البيضاوي”، بدت السفيرة السودانية وهي تستحضر مسارا دبلوماسيا ثريا، نسجته عبر سنوات من العمل في عدد من العواصم الدولية، قبل أن تحط رحالها في الرباط سنة 2022، كأول امرأة تتولى منصب سفيرة السودان لدى المغرب منذ افتتاح السفارة السودانية سنة 1975.

ومنذ اللحظات الأولى للحديث، كان واضحا أن الأمر لا يتعلق فقط بمسار مهني تقليدي، بل بحكاية امرأة صنعت تجربتها بهدوء الدبلوماسيين الكبار متنقلة بين سفارات السودان في الصين وكندا وبلغاريا ومصر، قبل أن تصل إلى محطتها الخامسة، والأولى كسفيرة فوق العادة مفوضة، كاملة الصلاحيات في المملكة المغربية.

وتقول السفيرة مودة عمر حاج التوم بنبرة يملؤها الاعتزاز والمسؤولية: “أعتز بأنني أول سفيرة سيدة للسودان في هذا البلد العريق” وهي عبارة تختزل في عمقها تحولا مهما في مسار الحضور النسائي داخل الدبلوماسية السودانية، كما تعكس الثقة التي وضعتها الدولة السودانية في كفاءة المرأة وقدرتها على تمثيل بلادها في المحافل الدولية بأعلى درجات المهنية.

إن المقولة الشهيرة “المرأة المناسبة في المكان المناسب” تبدو أكثر تجسدا في هذه التجربة الدبلوماسية الهادئة والرصينة، حيث استطاعت السفيرة السودانية أن تمنح للعلاقات المغربية السودانية دفعة إنسانية وثقافية جديدة، قائمة على تقريب الشعوب وإحياء الذاكرة المشتركة بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية وروحية ضاربة في عمق التاريخ.

ولم تخف السفيرة، خلال هذا التصريح الحصري، اعتزازها بمتانة العلاقات بين الرباط والخرطوم، مؤكدة أن هذه العلاقات “تسير من حسن إلى أحسن”، وهي شهادة دبلوماسية تعكس حجم التقدير المتبادل بين البلدين، كما تعكس إرادة مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والإنسانية.

وتحرص السفيرة مودة عمر حاج التوم، من خلال حضورها الدبلوماسي المتوازن، على إبراز عمق العلاقات السودانية المغربية أمام الشعبين معا في رؤية تقوم على ترسيخ التواصل الحضاري والثقافي، وإعادة تسليط الضوء على الروابط التاريخية التي جمعت دائما بين البلدين الشقيقين.
وفي الرباط، لا تمثل السفيرة السودانية مجرد مسؤول دبلوماسي يؤدي مهامه البروتوكولية، بل تقدم صورة مشرقة عن المرأة العربية والإفريقية القادرة على قيادة الحوار، وصناعة التقارب، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الدول، مستندة إلى تجربة مهنية تراكمت عبر سنوات من العمل الدبلوماسي في محطات دولية متعددة.

وهكذا، تواصل سفيرة السودان بالمغرب كتابة فصل جديد من فصول العلاقات الثنائية، بروح تؤمن بأن الدبلوماسية ليست فقط لغة المصالح، بل أيضا لغة الوفاء للتاريخ المشترك، والاحترام المتبادل، والإيمان بأن الشعوب القريبة من بعضها ثقافيا وإنسانيا قادرة دائما على بناء مستقبل أكثر إشراقا. (يتبع..)