مساحة اعلانية

حصري: كلمة حوبابي بمناسبة دورة تكوينية لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة في موضوع “تكريس الاخلاقيات في الإدارة القضائية”

مساحة اعلانية

ألقى الأستاذ رشيد حوبابي رئيس قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية بالمعهد العالي للقضاء، بالمقر المؤقت للمعهد بتكنوبوليس سلا أول أمس الخميس، كلمة افتتاحية بمناسبة الدورة التكوينية في مجال الإدارة القضائية لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة بمحاكم المملكة  في موضوع “تكريس الاخلاقيات في الإدارة القضائية “؛ (كلمة) هذا نصها:

“بسم الله وبه كفى، والصلاة والسلام على  النبي المصطفى.

السيد الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛

السيد المدير العام للمعهد العالي للقضاء؛

السادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية ،

السيد الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة؛

السيد نائب المفتش العام للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، 
السادة مسؤلو البنيات الإدارية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و بالمعهد العالي للقضاء،
السيدات والسادة المسؤولون القضائيون ، سواء الحاضرين معنا او المشاركين عن بعد ؛

الحضور الكريم  ؛

يسعدني أن أرحب بكم في رحاب المقر المؤقت  للمعهد العالي للقضاء، في افتتاح هذه الدورة التكوينية المخصصة لموضوع: ” تكريس الأخلاقيات  في الإدارة القضائية”، وأن أعبر لكم عن بالغ التقدير لما حظيت به هذه الدورة من عناية مؤسساتية،ومن تتبع دقيق لمساراتها من طرف السيد المدير العام للمعهد، ولما يجسده حضوركم من وعي بأهمية موضوع يتصل اتصالا وثيقا بجوهر الرسالة القضائية، وبالثقة التي يتعين أن يظل القضاء أهلا لها.

إن اختيار هذا الموضوع  وهندسته تكوينيا ،لا ينطلق من تصور يجعل الأخلاقيات مجموعة من المبادئ المجردة، ولا من مقاربة تختزلها في المساءلة عند وقوع الإخلال؛ بل يقوم على اعتبارها نظاما مهنيا للوقاية، وبوصلة للسلوك، وأحد مقومات جودة القرار وحسن تدبير المحكمة.

فالقيم القضائية لا تكتمل بمجرد إعلانها، وإنما تظهر في الممارسة اليومية: في طريقة ممارسة المسؤولية، وفي تدبير السلطة، وفي التواصل المهني، وفي صيانة السرية، وفي مواجهة حالات التأثير وتعارض المصالح، وفي القدرة على التقاط المؤشرات المبكرة للمخاطر قبل أن تتحول إلى اختلالات.

ومن هذا المنطلق، عمل قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية، في إطار مسؤوليته عن تنزيل هذه الدورة،بتنسيق مع اللجنة العلمية التابعة لمجلس إدارة المعهد ، على بناء هندسة تكوينية تنتقل بالمشارك من القيمة إلى السلوك، ومن الواقعة إلى تقدير الخطر، ومن رد الفعل إلى التدخل الوقائي، ومن المسؤولية الفردية إلى بناء بيئة مهنية حاضنة للأخلاقيات.

ولم تُبنَ هذه الهندسة على معنى واحد ومغلق للأخلاقيات، بل انفتحت على تعدد صورها بحسب الموقع المهني والمرحلة التي يوجد فيها القاضي؛ فثبات القيم لا يعني تماثل الوضعيات، كما أن وحدة المرجعية لا تلغي خصوصية المخاطر والأسئلة التي تطرحها كل مرحلة من مراحل المسار القضائي.

فبالنسبة إلى الملحق القضائي، لا تبدأ الأخلاقيات عند تسلمه مهام الحكم أو النيابة العامة، وإنما تتشكل منذ فترة التدريب؛ في علاقته بمؤطريه، وفي تعامله مع الملفات والمعلومات، وفي احترامه لحدود الملاحظة والمشاركة، وفي وعيه بأن حضوره داخل المحكمة يضعه، منذ البداية، أمام مقتضيات السرية والتحفظ والوقار. ومن ثم، فالتدريب ليس زمنا مؤجلا للمسؤولية الأخلاقية، بل هو المختبر الأول الذي تتكون فيه الهوية القضائية وهو ما كرسته مدونة اخلاقيات الملحق القضائي التي صادق عليها مجلس الإدارة برئاسة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية رئيس مجلس إدارة المعهد ، في دورة يونيو من هذه السنة.

أما القاضي الجديد، فيواجه لحظة دقيقة ينتقل فيها من معرفة القاعدة إلى تحمل مسؤولية تطبيقها، ومن التعلم تحت الإشراف إلى اتخاذ القرار باسمه وصفته. 

كما تستحضر الدورة أيها السادة الافاضل البعد الأخلاقي للعلاقة بين الرئاسة والنيابة العامة؛ فهي ليست مجرد علاقة تجاور داخل المحكمة، ولا علاقة تبعية لأحدهما للآخر، وإنما علاقة تكامل مؤسسي تحكمها وحدة خدمة العدالة، وتصونها استقلالية الوظائف والاختصاصات. ويكمن التحدي الأخلاقي في بناء تعاون مهني مسؤول في المساحات المشتركة، دون أن يتحول التنسيق إلى تداخل في الاختصاص، أو يتحول الاستقلال الوظيفي إلى قطيعة مؤسساتية. 

وبهذا المعنى، تمتد هندسة الدورة أفقيا بين مختلف مكونات المحكمة، وعموديا عبر مراحل المسار المهني: من الملحق القضائي، إلى القاضي الجديد، إلى المسؤول القضائي. وهي بذلك لا تكتفي بالسؤال: ما الأخلاقيات القضائية؟ بل تنتقل إلى أسئلة أكثر اتصالا بالممارسة: متى يبدأ الالتزام بها؟ وكيف تتغير صورها بتغير المسؤولية؟ وكيف تتحول من فضيلة فردية إلى ثقافة مؤسسية مشتركة؟

ولهذا تجمع الدورة بين القيادة الأخلاقية داخل المحكمة، وحكامة الامتثال، وأدوار آليات المواكبة الأخلاقية، والمساءلة والاجتهاد التأديبي، ووظيفة التفتيش في الوقاية والتقويم؛ ضمن مقاربة أندراغوجية تنطلق من الخبرة المهنية للمشاركين، وحنكة المؤطرين وتخصصاتهم المنطلقة من مواقعهم القيادية في مجال مراقبة تنزيل الاخلاقيات في الوسط القضائي ،وتستثمر الحالات العملية، وتنتهي إلى أدوات ومسارات قابلة للتطبيق داخل المحاكم.

حضرات السيدات والسادة؛

إن نجاح هذا الورش يظل ثمرة للتكامل بين المؤسسات القضائية، وللانخراط المشترك في ترسيخ ثقافة مهنية تجعل الاستقلال مقترنا بالمسؤولية، والسلطة محكومة بالقيمة، والتدبير مؤسسا على القدوة والثقة.”

شارك المقال شارك غرد إرسال
مساحة اعلانية
مساحة اعلانية