مساحة اعلانية

الأخلاقيات القضائية، رهان استراتيجي لترسيخ الثقة وبناء إدارة قضائية حديثة

مساحة اعلانية

في سياق الدينامية المتواصلة التي يشهدها ورش إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، يبرز تكريس الأخلاقيات في الإدارة القضائية باعتباره أحد أهم المفاتيح لضمان قضاء ناجع ومستقل وموثوق.

ومن هذا المنطلق تأتي الدورة التكوينية المخصصة لموضوع “تكريس الأخلاقيات في الإدارة القضائية”، المنظمة لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة بمحاكم المملكة، لتؤكد أن تحديث القضاء لم يعد يقتصر على تطوير النصوص القانونية أو رقمنة الخدمات، بل أصبح رهينا أيضا بترسيخ منظومة قيمية تجعل الأخلاق المهنية أساسا للحكامة القضائية.

وفي كلمته الافتتاحية، قدم الدكتور رشيد حوبابي، رئيس قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية بالمعهد العالي للقضاء، رؤية متقدمة لمفهوم الأخلاقيات القضائية، تقوم على اعتبارها آلية استباقية للوقاية من الاختلالات، وليست مجرد قواعد للمساءلة بعد وقوعها؛ وهي مقاربة تنسجم مع التحولات الحديثة التي تعرفها الأنظمة القضائية الدولية، حيث أصبحت النزاهة والشفافية والحياد عناصر لا تقل أهمية عن الكفاءة القانونية في تعزيز الثقة في العدالة.

من الأخلاق كشعار إلى الأخلاق كممارسة يومية
أبرز ما يميز هذه الرؤية هو الانتقال من التعامل مع الأخلاقيات باعتبارها مبادئ نظرية إلى اعتبارها سلوكا مهنيا يوميا يتجسد في مختلف تفاصيل العمل القضائي؛ من طريقة ممارسة المسؤولية، إلى تدبير السلطة، والتواصل المهني، والمحافظة على السرية، وتدبير تضارب المصالح، ورصد مؤشرات المخاطر قبل تحولها إلى أزمات مؤسساتية.

هذا التصور يعكس نضجا مؤسساتيا في فهم طبيعة الإدارة القضائية الحديثة، التي تقوم على الوقاية أكثر من العقاب، وعلى بناء ثقافة مؤسساتية قوامها المسؤولية والقدوة، بما يضمن جودة الأداء القضائي ويعزز ثقة المتقاضين في المؤسسة القضائية.

ويكشف تصميم الدورة التكوينية عن تحول نوعي في فلسفة التكوين القضائي، إذ لم يعد الهدف نقل المعارف القانونية فقط، وإنما بناء شخصية القاضي والمسؤول القضائي على أسس أخلاقية متينة، ترافقه منذ أولى مراحل مساره المهني.

فالالتزام الأخلاقي، وفق الرؤية التي عرضها الدكتور حوبابي، يبدأ منذ مرحلة التكوين بالنسبة للملحق القضائي، حيث تتشكل الهوية المهنية عبر احترام السرية والانضباط والتحفظ وحسن التعامل مع الملفات، قبل أن تتطور هذه المسؤولية مع انتقال القاضي إلى ممارسة مهامه، ثم تتعزز أكثر عندما يتولى مسؤوليات قيادية داخل المحكمة.

وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تجعل الأخلاق جزءا من البناء المهني للقاضي، وليس مجرد التزام يفرض عليه لاحقا، وهو ما يكرس ثقافة مؤسساتية مستدامة داخل الجسم القضائي.

كما أبرزت الكلمة أهمية القيادة الأخلاقية داخل المحاكم، باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية للإدارة القضائية الحديثة، فالمسؤول القضائي لم يعد مطالبا فقط بحسن تدبير الموارد أو تنظيم العمل، بل أصبح مطالبا أيضا بأن يكون نموذجا في النزاهة والاستقلالية والشفافية، وقادرا على بناء بيئة مهنية تشجع الالتزام بالقيم وتحد من مخاطر الانحرافات.

ومن هذا المنظور، فإن الأخلاقيات تتحول إلى عنصر من عناصر الحكامة، يوازي في أهميته التخطيط والتدبير والتقييم، ويجعل السلطة القضائية أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات العصر.

ومن بين الرسائل القوية التي حملتها الكلمة، التأكيد على أن العلاقة بين الرئاسة والنيابة العامة يجب أن تقوم على التكامل المؤسساتي، في إطار احترام استقلال كل جهة واختصاصاتها القانونية، فالتنسيق كما أوضح المتدخل لا ينبغي أن يتحول إلى تداخل في الصلاحيات، كما أن الاستقلال لا يعني القطيعة بل إن نجاح المحكمة رهين بتعاون مهني مسؤول يخدم المصلحة العليا للعدالة.

ويعكس هذا الطرح وعيا متقدما بأهمية بناء ثقافة العمل الجماعي داخل المؤسسة القضائية، بما يعزز النجاعة ويحافظ في الوقت ذاته على الضمانات الدستورية لاستقلال القضاء.

ولا شك أن الرهان الأكبر من هذه المبادرات التكوينية يتمثل في تعزيز الثقة المجتمعية في العدالة، فكلما ترسخت قيم النزاهة والاستقلال والشفافية داخل المحاكم، ارتفعت مؤشرات الثقة في القضاء باعتباره الضامن الأول للحقوق والحريات وسيادة القانون.

ومن هنا، فإن الاستثمار في التكوين الأخلاقي للقضاة والمسؤولين القضائيين يشكل استثمارا مباشرا في جودة العدالة وفي صورة المؤسسة القضائية، كما يعكس حرص المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمعهد العالي للقضاء على مواكبة أفضل الممارسات الدولية في مجال الحكامة القضائية.

تؤكد هذه الدورة التكوينية أن إصلاح العدالة لا يتحقق فقط عبر تحديث البنيات أو تطوير التشريعات، وإنما أيضا عبر ترسيخ ثقافة أخلاقية تجعل القيم المهنية جزءا من الممارسة اليومية داخل المحاكم؛ وهي رسالة تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الاستقلال مقرونا بالمسؤولية، والسلطة محكومة بالقيم، والإدارة القضائية قائمة على الوقاية والشفافية والقدوة الحسنة.

وبذلك، تواصل المؤسسات القضائية المغربية تعزيز مسارها الإصلاحي، من خلال الاستثمار في العنصر البشري، وترسيخ أخلاقيات المهنة، بما يرسخ قضاء أكثر جودة ونجاعة، ويعزز مكانة العدالة كأحد أعمدة دولة الحق والقانون.

شارك المقال شارك غرد إرسال
مساحة اعلانية
مساحة اعلانية