مساحة اعلانية

حصري: كلمة التوزاني بمناسبة دورة تكوينية لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة في موضوع “تكريس الاخلاقيات في الإدارة القضائية”

مساحة اعلانية

ألقى الأستاذ عبد الحنين التوزاتي المدير العام للمعهد العالي للقضاء، بالمقر المؤقت للمعهد بتكنوبوليس سلا أول أمس الخميس، كلمة افتتاحية بمناسبة الدورة التكوينية في مجال الإدارة القضائية لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة بمحاكم المملكة  في موضوع “تكريس الاخلاقيات في الإدارة القضائية “؛ (كلمة) هذا نصها:

“بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف الخلق اجمعين،
السيد الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
السادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية ،
السيد الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة؛
السيد نائب السيد المفتش العام للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية،
السادة مسؤلوا البنيات الإدارية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية و بالمعهد العالي للقضاء،
السيدات والسادة المسؤولون القضائيون ، سواء الحاضرين معنا او المشاركين عن بعد ؛

يسعدني أن أرحب بكم في رحاب المعهد العالي للقضاء بمناسبة افتتاح هذه الدورة التكوينية المخصصة لموضوع « تكريس الأخلاقيات القضائية في الإدارة القضائية»، وهو موضوع لا يتعامل معه المعهد باعتباره مادة نظرية تضاف إلى الرصيد المعرفي للقاضي، وإنما باعتباره كفاية مهنية حاضرة في القرار والسلوك والتواصل، وفي طريقة ممارسة المسؤولية وتدبير العلاقات داخل المحكمة.
فالأخلاقيات القضائية لا تظهر فقط في المواقف الكبرى أو الحالات الصريحة التي يسهل توصيفها، وإنما تتجلى أيضا في التفاصيل اليومية الدقيقة: في طريقة استعمال السلطة، وفي أسلوب التواصل، وفي تدبير المعلومة، وفي التعامل مع الزملاء والموظفين والمرتفقين، وفي القدرة على التمييز بين ما هو جائز من الناحية الشكلية وما هو ملائم من الناحية المهنية والأخلاقية.
ومن هنا، فإن المحكمة لا تمثل مجرد فضاء لإصدار الأحكام والقرارات، بل هي أيضا بيئة مهنية تتشكل داخلها الممارسات والعلاقات والصور التي يحملها المواطن عن العدالة. وكلما كانت هذه البيئة قائمة على الوضوح والاحترام والنزاهة والمسؤولية، انعكس ذلك إيجابا على جودة الأداء وعلى الثقة في المؤسسة القضائية.
إن تنظيم هذه الدورة يندرج في صميم الوظيفة التي يضطلع بها المعهد بموجب القانون رقم 37.22، والمتمثلة في إعداد وتنفيذ برامج تكوينية تستجيب للحاجات الفعلية للممارسة القضائية، وتواكب التحولات التي يعرفها مرفق العدالة، وتوفر للقضاة والمسؤولين القضائيين فضاءات مهنية للتفكير الجماعي وتبادل التجارب وبناء الحلول العملية.كما يأتي استجابة لما يوجبه المخطط الاستراتيجي للمعهد العالي للقضاء 2026-2030 ولا سيما الورش 25 من المحور الثاني من التوجه الاستراتيجي الثالث ، والذي نص على “تعزيز مؤهلات المسؤولين القضائيين لدى محاكم الاستئناف كمستشارين للاخلاقيات”.
ومن موقع المسؤولية عن التدبير العام للمعهد، فإن ما يعنينا في مثل هذه الدورات ليس فقط سلامة المضامين أو جودة التأطير، على أهميتهما، وإنما أن ينتج عن التكوين أثر يمكن ملاحظته داخل المحكمة؛ في جودة العلاقات المهنية، وفي وضوح القرار الإداري والقضائي، وفي الوقاية من أوضاع الالتباس، وفي القدرة على تقدير المخاطر الأخلاقية قبل تحولها إلى اختلالات تمس الثقة أو تؤثر في حسن سير المرفق.
كما يعنينا أن تتحول البرامج التكوينية إلى حلقة متكاملة تصل بين تحديد الحاجة المهنية وتصميم المحتوى واختيار المنهج الملائم، ثم تقويم النتائج وتتبع أثرها. فالتكوين بالنسبة إلى المعهد ليس نشاطا ظرفيا ينتهي بانتهاء الدورة، وإنما مسار مؤسساتي يروم دعم القاضي والمسؤول القضائي في مواجهة تحولات الممارسة، وتمكينه من أدوات تساعده على اتخاذ القرار المهني السليم في الوقت المناسب.
ولهذا حرص المعهد، من خلال قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية، على أن تبنى هذه الدورة وفق هندسة تكوينية تربط المرجعية بالممارسة، وتنطلق من الوقائع التي تواجه المسؤول القضائي في عمله اليومي، وتعتمد الحالات العملية والنقاش المهني وتبادل الخبرات، بدل الاقتصار على عرض المبادئ في صورتها المجردة.
فالغاية ليست تقديم أجوبة جاهزة عن كل وضعية محتملة، لأن الوقائع المهنية تتعدد وتتغير، وإنما بناء قدرة منهجية على التحليل والتقدير: ما القيمة التي يتعين حمايتها؟ وما الخطر الذي تطرحه الواقعة؟ وما المسار المهني الأنسب للتعامل معها؟ وما الأثر الذي يمكن أن يترتب عن القرار، ليس فقط على أطراف الواقعة، وإنما أيضا على المحكمة وعلى الثقة العامة في العدالة؟
كما عمل المعهد من خلال قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية على إعداد دليل مرجعي للتكوين مواكب للدورة، لا ليكون تجميعا للنصوص أو تكرارا لما هو معلوم، بل أداة تساعد المستفيد على الانتقال من معرفة القيمة إلى تحديد السلوك الذي يحميها، ومن معاينة الواقعة إلى تقدير الخطر الذي تنطوي عليه، ومن تشخيص الوضع إلى اختيار المسار المهني الأنسب لمعالجته والحد من آثاره.كما انه بصدد اعداد وثائق مرجعية تكوينية مبتكرة تتعلق بكل مفاصل الإدارة القضائية وعلى رأسها الاخلاقيات القضائية ، ستكون رهن اشارتكم فور تبنيها وفق المسارات القانونية المعمول بها .
لقد روعي في إعداد الدليل المرجعي للتكوين أن يكون قريبا من الواقع المهني للمحاكم، وأن يجمع بين المرجعية القانونية والأخلاقية وبين أدوات التحليل والتطبيق، بما يسمح باستثماره خلال الدورة وبعد انتهائها، سواء في التأطير أو في تدبير المواقف المهنية أو في بناء مبادرات وقائية داخل المحاكم.بل ويفتح المجال للمساهمة في تطويره وتطعيمه وجعله وثيقة تداولية تؤسس لمرجع تكويني وطني ، وهو المنحى الجديد للمعهد في كل مبادراته التكوينية.
ان ما يؤسس لأهمية هذا الاختيار التكويني أيها الحضور الكريم ، ما أفرزته التحولات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة من سياقات لم تعد فيها الحدود بين المجال المهني والمجال الشخصي دائما واضحة، وما تثيره من أسئلة تتعلق بالتحفظ، والسرية، واستعمال المعلومة، والحضور في الفضاء الرقمي، وصورة القضاء في نظر المجتمع. وهي تحديات تستدعي يقظة مهنية مستمرة، وقدرة على استحضار القيم القضائية عند التعامل مع أوضاع لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في السابق.
إن مسؤولية المعهد لا تنتهي بانتهاء الجلسات التكوينية؛ فالتكوين الجيد، في تصورنا، يبدأ بتحديد الحاجة، ويمر ببناء المحتوى واختيار المنهج والمؤطرين، ثم يستكمل بالتقويم وقياس الأثر واستثمار ملاحظات المستفيدين في تطوير البرامج اللاحقة.
ومن هذا المنطلق، ننتظر من هذه الدورة أن تشكل فضاء صريحا ومسؤولا لتقاسم الممارسات والتحديات، وأن تتيح للمشاركين مناقشة الوقائع المهنية في مناخ يحفظ خصوصيتها، وأن تسهم مخرجاتها في تعزيز بيئة مهنية قوامها النزاهة والحياد والاحترام والمسؤولية.
كما نأمل أن تمكن هذه الدورة كل مشارك من العودة إلى محكمته بفكرة عملية أو إجراء قابل للتنفيذ، يساهم به في الوقاية من المخاطر الأخلاقية، وتحسين التواصل المهني، وترسيخ الوضوح في ممارسة المسؤولية. ذلك أن الأثر الحقيقي للتكوين لا يقاس فقط بما يستوعبه المستفيد من معارف، وإنما بما يحدثه من مراجعة واعية للممارسة ومن تطوير ملموس للسلوك المهني.
ولا يفوتني أن أعبر عن بالغ التقدير للسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، رئيس مجلس إدارة المعهد العالي للقضاء، على ما يوليه للتكوين القضائي من عناية ودعم وتوجيه مستمر.
كما أتوجه بالشكر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة على انخراطهما المؤسساتي في إنجاح برامج المعهد، وإلى السادة المؤطرين والخبراء على ما يقدمونه من معرفة وتجربة، وإلى قطب التكوين المستمر والتكوين في مجال الإدارة القضائية وسائر الأطر الإدارية والتقنية على ما بذلوه في إعداد هذه الدورة وتأمين شروط انعقادها.
حضرات السيدات والسادة،
إن نجاح هذه الدورة لن يقاس فقط بما يقدم خلالها من أفكار، بل بما ستتيحه من مراجعة للممارسات، وما ستنتجه من التزامات عملية قابلة للتنفيذ داخل المحاكم. فالأخلاقيات تكتسب معناها الحقيقي حين تتحول إلى اختيارات يومية واعية، وإلى قدرة على التبصر قبل اتخاذ القرار، وإلى مناخ مؤسساتي يحمي الثقة ويعزز جودة العدالة.
أجدد الترحيب بكم جميعا، متمنيا لأشغال هذه الدورة كامل التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.”

شارك المقال شارك غرد إرسال
مساحة اعلانية
مساحة اعلانية