شكلت الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الأستاذ منير المنتصر بالله، الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية في مجال الإدارة القضائية لفائدة مسؤولي الرئاسة والنيابة العامة بمحاكم المملكة، وثيقة مرجعية متكاملة أعادت تأكيد أن الأخلاقيات القضائية لم تعد مجرد قيم نظرية أو شعارات مؤسساتية، بل أصبحت خيارا استراتيجيا يوجه مسار إصلاح العدالة المغربية ويعزز مكانة القضاء باعتباره سلطة دستورية مستقلة.
وجاءت الكلمة لتبرز أن العدالة الحديثة لا تقاس فقط بجودة الأحكام أو سلامة الإجراءات، وإنما أيضا بدرجة الثقة التي يحظى بها القاضي والمؤسسة القضائية لدى المجتمع، وهو ما يجعل الأخلاقيات أحد أهم أعمدة الأمن القضائي وحماية الحقوق والحريات.
وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن الدستور المغربي أقام استقلال السلطة القضائية على معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال والمسؤولية، موضحا أن استقلال القاضي ليس امتيازا شخصيا، وإنما ضمانة دستورية لفائدة المتقاضين والمجتمع، في حين تشكل المسؤولية الضامن الحقيقي لاستمرار هذه الثقة.
وأبرزت الكلمة أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، تحت الرئاسة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس المجلس والضامن لاستقلال السلطة القضائية، وبقيادة السيد الرئيس المنتدب، يقود مسارا مؤسسيا متكاملا لتحويل المبادئ الأخلاقية إلى منظومة عملية متجذرة داخل المحاكم، عبر التشريع والتكوين والتأطير والتقويم والمواكبة.
ولم تقف الكلمة عند حدود التنظير، بل قدمت رؤية عملية لكيفية تنزيل الأخلاقيات داخل المحاكم، من خلال لجنة الأخلاقيات، ومستشاري الأخلاقيات على مستوى الدوائر الاستئنافية، والمفتشية العامة للشؤون القضائية، والدوريات والتوجيهات، وبرامج التكوين المستمر، باعتبارها أدوات متكاملة للوقاية قبل المساءلة.
كما أبرزت أن فلسفة المجلس تقوم على استباق المخاطر المهنية ومعالجة أسبابها بدل انتظار وقوع الإخلال، وهو توجه يعكس نضجا مؤسساتيا يوازن بين حماية استقلال القاضي وضمان جودة الأداء القضائي.
وتوقف الأمين العام عند أهمية القيادة الأخلاقية للمسؤول القضائي، باعتبارها عاملا حاسما في بناء مناخ مهني قائم على الاحترام والإنصاف والحياد، حيث يصبح المسؤول القضائي قدوة في الممارسة اليومية، عبر حسن توزيع المهام، والإنصات، والتواصل، وحماية الكرامة المهنية، وترسيخ الثقة داخل المحكمة.
كما أولت الكلمة أهمية خاصة للتكوين، معتبرة أن بناء القاضي يبدأ منذ مرحلة التكوين الأساسي، ويتواصل عبر التكوين المستمر لمواكبة التحولات المرتبطة بالتكنولوجيا، وشبكات التواصل الاجتماعي، وحماية المعطيات الشخصية، وتدبير تضارب المصالح، بما يجعل الأخلاقيات مواكبة لمستجدات العصر.
وتعكس هذه الرؤية، التي قدمها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، انتقال العدالة المغربية إلى مرحلة أكثر تقدما في ترسيخ الحكامة القضائية، حيث لم تعد الأخلاقيات مجرد التزام فردي، بل أصبحت سياسة مؤسساتية متكاملة تروم تعزيز ثقة المواطنين في القضاء، وترسيخ استقلاله، وصيانة هيبته، بما ينسجم مع الإصلاحات الكبرى التي تعرفها منظومة العدالة بالمملكة.